الصومال : تعثر مفاوضات “سد الفجوة” بين جوبالاند والحكومة الفيدرالية (تقرير)

مقديشو / الصومال الإخبارية
فشلت جولة المباحثات التي جرت بين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس ولاية جوبالاند أحمد مدوبي، في مدينة كسمايو الساحلية (عاصمة ولاية جوبالاند) والتي استغرقت لمدة يومين، لسد الفجوة وتبديد الخلافات بين الولاية والحكومة الفيدرالية، وذلك بعد أن رفض رئيس ولاية جوبالاند الرجوع عن انتخابات محلية شهدتها الولاية عام 2024 والتي انتهت بانتخابه رئيساً للولاية للمرة الثالثة على التوالي، لكن الحكومة الفيدرالية رفضت شرعيتها، معتبرة إياها بأنها باطلة ومخالفة للوائح تنظيم الانتخابات المحلية، في حين رفض الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إبداء مرونة بهذا الملف، والاعتراف بتلك الانتخابات التي فاز بها رئيس الولاية أحمد مدوبي، معتبراً ذلك حجر الزاوية للمباحثات بين الجانبين.
وبحسب بيان للرئاسة الصومالية بثتها وسائل الإعلام الرسمية، أفاد بأن المحادثات أحرزت تقدماً ملموساً، حيث اتفق الطرفان على مواصلة الحوار خلال الفترة المقبلة، مع التأكيد على العودة إلى طاولة التفاوض لاستكمال مسار التفاهمات السياسية بين الحكومة الفيدرالية وولاية جوبالاند. وأعرب الرئيس حسن شيخ محمود عن شكره العميق لقيادة وشعب جوبالاند على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، مشيداً بروح التعاون والانفتاح التي أبداها القادة المحليون، ومؤكداً أن هذه الزيارة تندرج ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز المصالحة الوطنية وترسيخ مبدأ الشراكة بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية. وختم البيان بالتأكيد على أن الرئيس سيواصل لقاءاته ومشاوراته السياسية في كيسمايو خلال الأيام المقبلة في إطار سعيه لتقوية الجبهة الداخلية ودفع مسار الدولة الصومالية نحو مزيد من التوافق والاستقرار.
وتواجه الحكومة الفيدرالية معارضة قوية من قيادات وسياسيين سابقين بارزين، أبرزهم الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد ورئيس الحكومة الصومالية السابق محمد حسين روبلي، ورئيسا ولاية بونتلاند سعيد دني وولاية جوبالاند أحمد مدوبي، وتدور هذه الخلافات منذ عام 2024، بخصوص إقرار البرلمان تعديلات دستورية أثارت جدلاً كبيراً والنموذج الانتخابي الذي تبنته الحكومة الفيدرالية والذي يمنح الشعب ولأول مرة حق المشاركة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة.
شرعية مدوبي : عقبة رئيسة
وفي هذا الصدد يقول المحلل السياسي محمد حسين سياسي في حديث للصومال الإخبارية، أن الخلاف الرئيسي بين جوبالاند والحكومة الفيدرالية يدور خصيصاً، حول شرعية انتخاب رئيس جوبالاند، إلى جانب مساعي الحكومة الفيدرالية إلى استكمال فصول الدستور العالقة بهدف تعديل بعض بنوده، تتحفظ بعض الولايات على الطريقة التي تدار بها هذه العملية داخل البرلمان. أما في ملف الانتخابات، فيدفع الرئيس حسن شيخ محمود باتجاه تنظيم انتخابات عامة مباشرة وفق مبدأ الصوت الواحد لكل مواطن، وهو ما ترفضه إدارتا جوبالاند وبونتلاند اللتان تعتبران أن تطبيق هذا النموذج حالياً غير واقعي في ظل الظروف الأمنية والإدارية القائمة، كما أن أكثر القضايا حساسية تتمثل في الخلاف حول الاعتراف بانتخابات أحمد مدوبي، إذ دعا الرئيس الفيدرالي إلى العودة إلى مجلس التشاور الوطني للحوار حول مستقبل العلاقة بين الحكومة المركزية والولايات، بينما أصر مدوبي على أن يكون الحوار مشروطاً بالاعتراف الكامل بشرعيته كرئيس منتخب لجوبالاند، ورغم هذه التباينات، يُنظر إلى زيارة كيسمايو من قبل الرئيس الصومالي حسن شيخ بوصفها تطوراً إيجابياً يعيد الأمل بإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي حالة الانقسام، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنسيق بين الحكومة الفيدرالية والإدارات الإقليمية. ومن المتوقع أن تصدر خلال الأيام المقبلة بيانات مشتركة تعلن استمرار المباحثات تمهيداً لجولات حوار إضافية.
ويضيف حسين سياسي أن هذا الحراك يعكس بداية إعادة ترتيب المشهد السياسي الصومالي، في وقت تتباين فيه مواقف الأطراف بين داعم لخط فيلا صوماليا ومتحفظ على توجهاتها، وبين من يسعى إلى بلورة موقف مستقل كما هو الحال في جوبالاند التي تحاول ترسيخ دورها كفاعل سياسي وإداري ضمن المنظومة الفيدرالية، مع الحفاظ على خصوصيتها السياسية والإقليمية.
غياب الثقة والمرونة
ووفق مصادر صحافية صومالية، فإن الوساطة بين الطرفين رعتها كينيا بشكل غير مباشر، إلا أنها لم تحقق نجاحاً كبيراً، حيث لاتزال العقبات تقف أمام التوصل إلى تسوية سياسية بين الحكومة الفيدرالية وولاية بونتلاند، وهو ما قد يوسع الهوة بين الجانبين، في حال لم تحقق المفاوضات المقبلة اختراقاً في جدار تسوية الأزمة السياسية بين السلطة المركزية وولاية جوبالاند.
وفي السياق، يقول الكاتب والباحث الصومالي عبدالعزيز نور عابي في حديث للصومال الإخبارية، إن هدف هذا اللقاء بين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس جوبالاند، كان بمثابة محاولة لتسهيل التواصل وإعادة بناء الثقة بين الحكومة الفيدرالية والولاية، حيث سعى الطرفان إلى خلق جو من الانفتاح والثقة المتبادلة بعيداً عن التوترات السابقة. كما شكّل الاجتماع خطوة مبدئية نحو تهيئة بيئة حوار إيجابية يمكن أن تمهّد الطريق لاتفاقات مستقبلية أكثر عمقاً وشمولاً. لكن محاولة كسر الجليد في مثل هذه اللقاءات لا يعني تحقيق حلول فورية، بل يمثل تحولاً في أسلوب التعامل والتفكير السياسي، ويبعث برسالة أمل إلى الشعب الصومالي بأن لغة الحوار والاحترام المتبادل هي السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار والوفاق الوطني.
وحول أسباب فشل جولة المباحثات، يوعز عبدالعزيز إلى غياب الأسس الجوهرية التي يمكن أن تُبنى عليها تسوية متوازنة تضمن للطرفين مساحة للتنازل المتبادل وتفتح الباب أمام تفاهم سياسي حقيقي. فالمحادثات، رغم أهميتها، افتقرت إلى جدول عمل واضح يعالج القضايا الخلافية بعمق، وفي مقدمتها تقاسم الصلاحيات والموارد وآلية استكمال الدستور وتنظيم الانتخابات المقبلة. كما أن الطابع الوطني للمفاوضات غاب عنها منذ البداية، إذ لم تكن حوارًا “صوماليًا – صوماليًا” خالصًا بقدر ما كانت ساحة لتجاذبات إقليمية ودولية، حيث تدخلت أطراف خارجية بشكل مباشر أو غير مباشر في مسار النقاش، سواء عبر الضغط السياسي أو عبر الوساطات التي حملت مصالحها الخاصة، وأعتقد، أن هذا التدخل أضعف مناخ الثقة وألقى بظلال من الشك على نوايا الأطراف، مما جعل المفاوضات أقرب إلى محاولة شكلية لإدارة الخلافات لا لحلّها فعليًا.
وفي ما يتعلق بمسارات الحل، يقول عبدالعزيز نور أن المخرج الوحيد يكمن في إعادة بناء الثقة السياسية من الداخل عبر حوار وطني شامل يستند إلى الإرادة الصومالية المستقلة، ويضع آلية واضحة لتجاوز جذور الخلاف التي تراكمت قبل انتخابات جوبالاند، وفي مقدمتها القضايا المتعلقة بمؤتمر مجلس التشاور الوطني وملف استكمال الدستور. فتحقيق المصالحة الحقيقية يتطلب أن تتعامل الأطراف مع تلك القضايا بشفافية وروح توافقية، بعيدًا عن لغة الشروط أو التهميش المتبادل.. ومن هنا تبرز الحاجة إلى أن يكون الحوار أو أي مشروع وطني نابعًا من الداخل، يستند إلى أولويات الشعب الصومالي وتطلعاته، لا إلى حسابات القوى الإقليمية والدولية، فمستقبل الصومال لا يمكن أن يُصاغ إلا بإرادة صومالية خالصة تنبع من أرضه وقياداته وشعبه.





